ما يلي هو ترجمة بالتعاون مع «مدى مصر» لنسخة مختصرة من نقاش مائدة مستديرة ضمن مشروع  «النَزَعات العابرة للحدود الوطنية في المواطنة: الاستبداد وثقافة المقاومة العالمية الناشئة»، لمؤسسة القرن الدولي/ the century foundation.بدعم من مؤسسة كارنيجي/ Carnegie Corporation، في نيويورك، ومؤسسات المجتمع المفتوح/ the Open Society Foundations.


تجد الحركات الاحتجاجية حول العالم صعوبة في الاستفادة من لحظات الحشد الجماهيري. في هذا الحوار، تناقش نيكول كارتي، الناشطة المهتمة بالتنظيم الجماهيري، كيف يمكن للحركات الاحتجاجية أن تستغل لحظات الفوران، كما في موجة الاحتجاجات التي اجتاحت الولايات المتحدة في عام 2020 ردًا على العنف المستخدم من قبل الشرطة. تدفع كارتي بأنه في سبيل تطور الاحتجاجات إلى حركات ذات استمرارية قادرة على إحداث تغيير سياسي، يجب على منظمي تلك الاحتجاجات والمنخرطين فيها التعلم من تجارب الحركات الأخرى ومن تجاربهم السابقة أيضًا، كما يجب عليهم أن يكونوا مبادرين بدلًا من التحرك فقط كرد فعل.

 وتؤكد كارتي التي دربت قيادات بتحالف الحركة من أجل حياة السود، على أهمية تطوير الحركات هيكليًا بحيث تتمكن من الصمود بعد انحسار لحظات الغضب الجماهيري المنفردة. وبحسب كارتي، فقد دفعت «من أجل حياة السود» بالنقاش حول العرق في الولايات المتحدة إلى الأمام، كما أنها وفرت محفزًا سياسيًا ساهم في هزيمة دونالد ترامب في انتخابات نوفمبر 2020. غير أن «الحركة» لم تتمكن من الحفاظ على التوهج الذي ميزها في صيف 2020، عندما قادت الحشد الجماهيري الأضخم في التاريخ الأمريكي.

 اندلعت احتجاجات 2020 في الولايات المتحدة في العام العاشر من عقد اضطرب خلاله العالم بالاحتجاجات. وقد استفادت الاحتجاجات الأمريكية بدرجة ما من تجارب الحراك في الشرق الأوسط، كما تؤثر الدروس المستفادة من تجربة «الحركة من أجل حياة السود» بدورها على الجهود المستمرة للحركات الاحتجاجية في مناطق أخرى من أجل تحويل لحظات الغضب إلى قوة مستدامة.

 تمر أي حركة تسعى للتغيير الاجتماعي بفترات صعود وانحسار، ولكن الهيكل القوي هو ما يضمن حفاظ الحركة على زخمها مع تقلبات الاهتمام العام، كما يمكنها ذلك من الاستجابة للأحداث بتحركات منظمة، وهي الأداة الأساسية في ترسانة أي حركة. وتعد تلك التحركات هي تجربة التعلم الحقيقة لكل من الحركات وللجماهير أيضًا، كما تقول كارتي.


 نايرة أنطون: كيف بدأ انخراطك في العمل التنظيمي؟ هل يمكنك أن تحدثيني عن علاقتك بـ«الحركة من أجل حياة السود»؟

نيكول كارتي: لقد كانت أولى تجاربي في الحركات الاجتماعية عندما شاركت في حركة «احتلوا وول ستريت» في عام 2011. بعد ذلك، شاركت في الحشد لكثير من الفعاليات حول مقتل ترايفون مارتن في عام 2012، وهي لحظة يمكننا القول إنها كانت بداية «الحركة من أجل حياة السود». 

وفي الأحد عشر عامًا منذ انطلاق حركة «احتلوا»، عملت في وضع الاستراتيجيات لحركات اليسار وفي تنظيم القواعد الشعبية. أنا أقوم بالمشاركة في الحركات ودراستها بالتحديد من أجل معرفة كيفية بنائها مع دمج عملية التعلم في هذا البناء. عندما بدأ هيكل «الحركة من أجل حياة السود» بالتشكل عام 2014، تعاونت مع القيادات مرات عديدة لوضع استراتيجيات لـ«الحركة». (ولكني أود التوضيح أنني شخصيًا لست من قيادات الحركة من أجل حياة السود) وكما تعرفين، لقد كانت «الحركة من أجل حياة السود» في 2020 على رأس أكبر حراك جماهيري في التاريخ الأمريكي.

 ولقد قدمت الدعم للعديد من التحركات الجماهيرية الأخرى في الولايات المتحدة، كما كنت ولا أزال أقدم الدعم والتدريب لعدد من القيادات في «الحركة من أجل حياة السود»، وبالأخص في مقر الحركة بمدينة مينيابوليس والمنظمات التابعة لها مثل «بلاك يوث بروجكت 100» أو «مشروع الشباب الأسود»  المعروف باسم «BYP100».

أنطون: من وجهة النظر الفريدة تلك، كيف تصفين الشكل التنظيمي لـ«الحركة من أجل حياة السود»؟

كارتي: ما يغيب عن بعض الناس بخصوص «الحركة من أجل حياة السود» هو أنها تتكون حاليًا بالأساس من ائتلاف من المنظمات، بعضها  تعمل على بناء القواعد الشعبية، بجانب هيكل أوسع يسعى لإضافة عناصر أخرى إلى ذلك الائتلاف. ويُنظم هذا الائتلاف في مجموعات تضم أناسًا من منظمات مختلفة يعملون معًا على ملفات معينة مثل السياسات والعدالة الانتخابية والتنظيم على مستوى القواعد الشعبية وما إلى ذلك. وهناك أيضًا بعض الهياكل القيادية التي تعمل بشكل أوسع عبر تلك الائتلافات ويتركز عملها على كيفية بناء «الحركة». إن الشكل التنظيمي للحركة ليس ثابتًا، فدائمًا ما كانت العلاقة بين الهيكل القيادي للائتلاف وقاعدته الشعبية من الأعضاء في حالة تغير مستمر على مدار السنوات الثمان الماضية.

روابط عالمية 

أنطون: لقد ألهمت «الحركة من أجل حياة السود» الكثير من النشطاء في بلدان أخرى. في بعض الحالات، اشتعلت الاحتجاجات حول قضايا أمريكية مثل مقتل جورج فلويد خارج الولايات المتحدة. وفي حالات أخرى، تبنى نشطاء في بلدان مثل البرازيل وفرنسا والمملكة المتحدة شعار «حياة السود مهمة» في حملاتهم المحلية. كما أعلن نشطاء فلسطينيون عن تضامنهم مع «الحركة»، بل ووظفوا طاقة هذا الحراك بشكل ما في الحشد لقضيتهم. وكان هناك هذا الشكل من الإلهام العابر للحدود من حركة «احتلوا» في الحراك الإسباني ضد سياسات التقشف وغيرها من الاحتجاجات في بلدان أخرى. كما تزامنت حركة «احتلوا» مع الربيع العربي أيضًا.

 هل يتعمد النشطاء تكوين تلك الروابط العابرة للحدود؟ أم أنها تنشأ بشكل عفوي، ربما بسبب قوة وسائل التواصل الاجتماعي؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الحركات؟

كارتي: ليس الأمر إما هذا أو ذاك، بل هو مزيج من الأمرين. إن الرأسمالية وهيمنة العرق الأبيض هي أنظمة عالمية بطبيعتها. كما أن النشطاء، على اختلافهم في شتى البلدان، تشكلهم وتدفعهم نفس القوى العالمية. ولذلك فإن الاحتجاجات التي تتعرض لقضايا عالمية مثل «الحركة من أجل حياة السود» أو «احتلوا» يتردد صداها خارج حدود منشأها الأول ويعاد ترجمتها في سياقات محلية أخرى. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت في ربط العالم ببعضه البعض أكثر من أي وقت مضى. فعندما ينطلق حراك ما في جزء معين من العالم، يمكن سريعًا تبنيه وتكراره في أجزاء أخرى. خلال نشاط حركة «احتلوا»، كان المنظمون/ات يسافرون لزيارة الاعتصامات التابعة للحركة في كل أنحاء العالم، ويساعدون بعضهم البعض في حل المشاكل المشتركة التي تواجههم ويكونون روابط استمر أثرها في دعم الحركات حتى يومنا هذا. 

مع تزايد مغازلة النظام الأمريكي للفكر الاستبدادي، اتجهنا لدراسة تجارب النشطاء في دول أكثر قمعية للوقوف على أفضل الممارسات التنظيمية.

أنطون: إن الولايات المتحدة غالبًا ما تشكل السرديات الثقافية حول العالم. لدي فضول لمعرفة إذا ما كنت ترين تفاعلًا في الاتجاه المعاكس بين النشطاء؟ هل تستقي حركات الاحتجاج الأمريكية دروسًا من مثيلاتها في بلدان أخرى؟

كارتي: بكل تأكيد، وخاصةً في السنوات الأخيرة. ومع تزايد مغازلة النظام الأمريكي للفكر الاستبدادي، اتجهنا لدراسة تجارب النشطاء في دول أكثر قمعية للوقوف على أفضل الممارسات التنظيمية في ظل تلك الظروف. وقد استلهمنا بالأخص تجارب «الثورات الملونة»، وهي حركات كانت تدعو للديمقراطية انبثقت في العديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق، بالإضافة إلى احتجاجات هونغ كونغ. ولكن هذا ليس بالأمر الجديد، فحتى الحركات الاجتماعية الأشهر في الولايات المتحدة كانت شديدة التأثر بحركات عالمية أخرى. فقد درس جيمس لوسون ومارتن لوثر كينغ الابن استراتيجيات عدم التعاون التي انتهجتها حركة الاستقلال الهندية بعمق، واستخدماها كأساس في التخطيط لحركة الحقوق المدنية. البشر هم البشر في كل أنحاء العالم، والمحركات الرئيسية التي تدفعهم لا تختلف كثيرًا في الواقع بين بلد وآخر. وهناك بالفعل الكثير لنتعلمه خارج حدود الولايات المتحدة.

الحفاظ على الزخم

أنطون: يبدو أنه ليس ثمة مفر من تضاؤل الاهتمام العام بـ«الحركة»، كما لو كان استمرار الدعم لها يعتمد على ما تقوم به «الحركة» في لحظة معينة من أجل الإبقاء على بعض هذا الدعم.

 كارتي: إن موجات الصعود والانحسار هي أمر حتمي، ولكن دروس الماضي تخبرنا أننا عندما نتحرك وعندما نحافظ على وجود قضيتنا في الأخبار، فإننا نحافظ على مزيد من الدعم ومزيد من التحكم في سرديتنا. إن التحرك والوعي العام هما عنصران في حلقة تفاعل مغلقة، فالتحرك المستمر يبقي على الدعم الشعبي ويحول دون استسلام الجماهير للسرديات الأخرى.

إن دورنا هو التحرك وأن تظل التغييرات التي ننادي بها مطروحة في النقاش العام، بحيث تصبح مطالب منطقية في أعين الجماهير، وعندما نتخلف عن هذا الدور، نترك الساحة لقوى أخرى لديها قنوات تواصل مستمرة بالجماهير تستغلها من أجل تشويهنا، وبالتالي نفقد قوتنا. وهذا، إلى حد ما، هو ما حدث في أعقاب حراك 2020، لأن انقطاع التحرك انعكس في غياب الضغط المستمر من أجل إصلاح الشرطة، وفي المقابل، كانت هناك جهود حثيثة من جانب تيار اليمين لترسيخ فكرة أن تحجيم الشرطة من شأنه أن يهدد الأمن العام، وهي فكرة نجحت تلك التيارات في ترويجها حتى ضمن المواطنين ذوي البشرة السوداء. 

وفي عام 2017، انبثقت «مجموعة بلاك فيجنز/ Black Visions Collective» من حركة «حياة السود مهمة» في مدينة مينيابوليس. وكان لهذه المجموعة دورًا فعالًا في دفع مقترح تشريعي لإصلاح جهاز الشرطة في مينيابوليس. كما كانت تلك الحملة مثالًا جليًا لحركة نجحت في تحويل قضية محلية إلى شأن وطني. ولكن لم تثمر تلك المجهودات في تحقيق هذا الهدف على الأقل، ففي نوفمبر، صوت الناخبون في مينيابوليس لصالح رفض المشروع المقدم من الحملة. وكان هذا الرفض إلى حد بعيد نتيجة لسيطرة تيار اليمين على سردية الحركة.

 لحظات الحراك تفقد زخمها والناس يهجرون الشوارع ويمضون لمواصلة حياتهم. ولذلك فإن علينا كتنظيميين أن نؤسس بنية تحتية للحركات تضمن استمراريتها.

إذن فمن المؤكد أن لحظات الحراك تفقد زخمها وأن الناس يهجرون الشوارع ويمضون لمواصلة حياتهم. ولذلك فإن علينا كتنظيميين أن نؤسس بنية تحتية للحركات تضمن استمراريتها. ونحن نسعى في معهد «مومنتام» التدريبي حيث أعمل، أن نخلق مساحة للتعلم من أخطاء جديدة مع تجنب الأخطاء المتوقعة، وهذا يتطلب هيكلة الحركات بشكل مدروس.

أنطون: يبدو هذا وكأنك تقولين إن ما بين لحظات الحراك الجماهيري، يجب على الحركات أن تستعد للجولة القادمة لكي تكون سريعة الحركة، سواء كان ذلك من أجل تقديم مقترحات تشريعية أو غير ذلك وإلا فسوف تفوتها الفرصة.

كارتي: أجل. إن القدرة على تسخير طاقة الحراك هي أمر مهم من أجل خلق حالة الزخم، فإن الحركات الناجحة لا تنتظر حدوث مستجدات لكي تخلق لحظات فاصلة.

وأكرر أن هذه القدرة على الحشد ترتبط بهيكلة الحركة واستراتيجيتها. وهناك بعض الأمثلة لمنظمات محلية تابعة لـ«الحركة من أجل حياة السود» نجحت في خلق لحظة زخم وطني. فقد نجح مقر «الحركة» في مينيابوليس على سبيل المثال في إغلاق مول أمريكا في عام 2014. وعندما قُتل جامار كلارك في عام 2015 كانت «الحركة» لها هيكل مجهز بالفعل للحشد وتمكنت من خلق لحظة زخم وطنية أخرى بتنظيمها اعتصام بالدائرة الرابعة لقسم شرطة مينيابوليس استمر لثمانية عشر يومًا. لقد ساهم هذا الاعتصام في تدريب المجتمع المحلي بأكمله على كيفية الاستجابة للأحداث المماثلة، وبدونه لا أظن أن رد الفعل على مقتل فيلاندو كاستيل في عام 2016، ومن بعده جورج فلويد في 2020 كان ليكون بنفس الحجم ولا نفس مستوى التنظيم الذي كان عليه.

 لقد خلق النشطاء في مدينة مينيابوليس هذا الزخم بالبناء على كل تلك اللحظات واستغلوا ذلك من أجل الدفع بقضيتهم إلى الأمام. كما أنهم لم يكفوا عن العمل ما بين حوادث القتل تلك، بل كانوا يعملون على تطوير قدراتهم وهيكلة حركتهم. وقد قدم معهد «مومنتام» العديد من التدريبات لنشطاء مينيابوليس. إن قيادات الحركة  ومنظميها في المدينة يتمتعون بفهم أساسي للديناميكيات التي تحكم الحركات. وقد تعلمت أنه في لحظات الفوران وعندما تكون «الحركة» في أوج نشاطها، لا يميل الناس عادة لتلقي التوجيه أو التدريب، وهذا الأمر لا يقتصر على «الحركة من أجل حياة السود». أما لاحقًا عندما تخفت حالة الزخم، يتسلل شيء من الإنهاك إلى الناس، ويكونوا حينها أكثر تقبلًا للاستماع والتفكير فيما قد حدث. وفي مينيابوليس، كان هذا الاستعداد للتفكير عاملًا فاصلًا في نجاح «الحركة».  

الوعي في مقابل النشاطية 

أنطون: في عام 2020، كان هناك تداول واسع لقوائم القراءة وتشكل الكثير من مجموعات القراءة. ورغم أن القراءة ليست فعلًا استراتيجيًا، ولكن من الجيد أن يحاول الناس فهم كيفية عمل البنى العنصرية. ولكن في اعتقادك، هل كل هذا النشاط القائم حول القراءة هو التوجيه الأمثل للطاقات؟ وهل يعطي الناس إحساسًا زائفًا بالقيام بنشاط سياسي لمجرد اكتسابهم/ن الوعي؟

كارتي: إن كلا الأمرين صحيح بنسبة ما. إليك تفسيري لما حدث. عندما بدأت «الحركة» نشاطها في عام 2014، كان النقاش متوقفًا عند السؤال حول إذا ما كانت العنصرية هي مشكلة بنيوية أم هي نتيجة لبعض العناصر الفاسدة. وقد كانت التحركات التي تبعت عمليات القتل على يد عناصر الشرطة منذ عام 2014 فصاعدًًا في حد ذاتها وسيلة للتعلم، فأنا أعتقد بأن التحرك الجماهيري هو السبيل الأمثل لزيادة الوعي. وبحلول عام 2020، كان سؤال «العناصر الفاسدة» لا يزال قائمًا بين الناس، غير أن البعض بدأ في التفكير لأول مرة في العنصرية كمشكلة بنيوية. 

هذا الاهتمام بفهم العنصرية بشكل أعمق له علاقة بالإحباط المتراكم، فبدأ يشعر الناس أن النظام لا يعمل. ولمست هذا عند تبرئة جورج زيمرمان من جريمة قتل تريفون مارتن في عام 2013، وأعتقد أن نفس الشيء حدث في 2020. كان هناك اعتراف بعمق التغيير المطلوب وغياب وسائل التغيير. كان يوجد شعور بأن البلد بأكمله بحاجة إلى تغيير، ولم يكن هناك الكثير من الأماكن التي قد يقصدها  الناس للمشاركة في عمل هذا التغيير، فوضع العديد من الناس طاقتهم في نوادي الكتب. 

أنطون: في المملكة المتحدة، أثارت حركة «حياة السود مهمة» وحراك 2020 نقاشًا ليس فقط حول ممارسات الشرطة والعنصرية، ولكن أيضًا حول مفهوم الإمبراطورية وهو ما يقوض أساطير الوطنية البريطانية بشكل ما. وفي الولايات المتحدة، هناك رد فعل عنيف من جانب تيارات اليمين ضد تدريس التاريخ من منظور مناهض للعنصرية، وهو ما يظهر في حالة الاستنفار الأخلاقي حول دراسات النظرية العرقية النقدية.

كارتي: يعطينا التاريخ الأمريكي بعض الأمثلة على كيفية تعامل الحركات مع تلك الأسئلة مع تقديمها في الوقت ذاته حجج أخلاقية قوية يمكن إدراكها ومشاركتها على نطاق واسع. 

 كان اتجاه حركة إلغاء العبودية في الولايات المتحدة في بدايتها شيئًا على غرار «لنضرم النار بكل شيء، هذه دولة مبنية على العبودية، لنلغي الدستور»، ولكن هذا موقف غير مجد. فإذا كنت تريد إقناع الدولة بإلغاء نظام العبودية -الدولة كانت هي الكيان الوحيد القادر على القيام بذلك- كان عليك أن تقدم ما يظهر أن إلغاء العبودية هو من مصلحة الدولة، وأن الإبقاء على هذا النظام البشع لا يتسق مع مبادئها.

 وقد كان هناك انقسامًا ما بين قيادات حركة إلغاء العبودية حول هذا الأمر. ولكن وجهة النظر التي سادت في النهاية هي تلك التي أراد أصحابها تعميم فكرة أن العبودية نظام منافي للدستور، بعد أن أمضوا ثلاثين عامًا في الترويج لها وتعميمها. وأصبحت الفكرة القائلة إن الدستور تحرري في الأساس مقبولة، ونجح مروجو تلك الفكرة في تقديم حجة وجيهة لضرورة تحرك الدولة لإلغاء العبودية.

 أعتقد أننا ينقصنا الممارسة في خلق هذا النوع من السرديات. إذا كنا نريد إعادة تخصيص الموارد الموجهة لقطاع الشرطة وتفكيك أنظمة التفوق العرقي التي تواجهنا، فإن علينا أن نقدم سردية تعكس أن تحقيق ذلك فيه مصلحة جماعية للبلاد، لكن حتى المواطنين السود لا يؤمنون بذلك في الوقت الراهن. وهناك سابقات تاريخية لذلك أيضًا. ففي بداية اعتصامات الجنوب الأمريكي، كان المواطنون السود شديدي التشكك في جدوى تلك الاعتصامات، وكانوا على قناعة بأن شيئًا لن يتغير. فكان لا بد للحركة أن تعمل على كسبهم إلى صفها، وتطلب ذلك حراكًا لكي يروا الأمر بشكل مختلف.

 وهذا يأخذنا مجددًا إلى الركيزة الأساسية وهي أن التحرك المستمر هو المفتاح لتغيير العقول ولبناء الكتلة الحرجة المستدامة من الأناس المنخرطين في الحراك، وهو الأمر الضروري من أجل إحداث التغيير.

هذا التقرير هو جزء من «نَزَعات المواطنة العابرة للحدود: الاستبداد وثقافة المقاومة العالمية الناشئة»، أحد مشروعات مؤسسة القرن/ The Century Foundation بدعم من مؤسسة كارنيجي/ Carnegie Corporation، في نيويورك، ومؤسسات المجتمع المفتوح/ the Open Society Foundations.

كتابة:

نايرة أنطون:  زميلة بمركز القرن الدولي/ Century International، ومديرة مبادرة «اتجاهات عبر دولية في المواطنة».

نيكول كارتي، عضوة أساسية في «مومنتام/ Momentum»، وهي مؤسسة تدريبية وحاضنة للحركات الاجتماعية. وحاليًا، تعمل كارتي على تطوير حركة جديدة تهدف إلى جعل الحقيقة وقضايا المصالحة والتعويضات أولوية وطنية.